ابن قيم الجوزية

244

حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح

ماض فقد كان مستقبلا فلا يعقل إمكان الدوام في أحد الطرفين وإحالته في الطرف الآخر ( قالوا ) وهذه مسألة دوام فاعلية الرب تبارك وتعالى وهو لم يزل ربا قادرا فعالا فإنه لم يزل حيا عليما قديرا ، ومن المحال أن يكون الفعل ممتنعا عليه لذاته ثم ينقلب فيصير ممكنا لذاته من غير تجدد شيء وليس للأزل حد محدود حتى يصير الفعل ممكنا له عند ذلك الحد ويكون قبله ممتنعا عليه فهذا القول تصوره كاف في الجزم بفساده ويكفي في فساده أن الوقت الذي انقلب فيه الفعل من الإحالة الذاتية إلى الإمكان الذاتي إما أن يصح أن يفرض قبله وقت يمكن فيه الفعل أو لا يصح ، فإن قلتم لا يصح كان هذا تحكما غير معقول وهو من جنس الهوس ، وإن قلتم يصح قيل وكذلك ما يفرض قبله لا إلى غاية فما من زمن محقق أو مقدر إلا والفعل ممكن فيه وهو صفة كمال وإحسان ومتعلق حمد الرب تعالى وربوبيته وملكه وهو لم يزل ربا حميدا ملكا قادرا لم تتجدد له هذه الأوصاف كما أنه لم يزل حيا مريدا عليما والحياة والإرادة والعلم والقدرة تقتضي آثارها ومتعلقاتها ، فكيف يعقل حي قدير عليم مريد ليس له مانع ولا قاهر يقهره يستحيل عليه أن يفعل شيئا البتة ؟ وكيف يجعل هذا أصل أصول الدين ويجعل معيارا على ما أخبر اللّه به ورسوله ويفرق به بين جائزات العقول ومحالاتها ؟ فإذا كان هذا شأن الميزان فكيف يستقيم الموزون به ، وأما قول من فرق بأن الماضي قد دخل في الوجود دون المستقبل فكلام لا تحقيق وراءه فإن الذي يحصره الوجود من الحركات هو المتناهى ثم يعدم فيصير ماضيا كما كان معدوما لما كان مستقبلا فوجوده بين عدمين وكلما انقضت جملة حدثت بعدها جملة أخرى فالذي صار ماضيا هو بعينه الذي كان مستقبلا فإن دل الدليل على امتناع ما لا يتناهى شيئا قبل شيء فهو بعينه دال على امتناعه شيئا بعد شيء ، وأما تفريقكم بقولكم المستقبل نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده درهما فهذا ممكن والماضي نظير قوله ما أعطيك درهما إلا وأعطيتك قبله درهما ، فهذا الفرق فيه تلبيس لا يخفى وليس بنظير ما نحن فيه بل نظيره أن يقول ما أعطيك درهما إلا وقد تقدم مني إعطاء درهم قبله فهذا ممكن الدوام في الماضي على حد إمكانه في المستقبل ولا فرق في العقل الصحيح بينهما البتة ، ولما لم يجد الجهم وأبو الهذيل واتباعهما بين الأمرين فرقا قالوا بوجوب تناهي الحركات في المستقبل كما يجب ابتداؤها عندهم في الماضي ، وقال أهل الحديث بل هما سواء في